القاضي عبد الجبار الهمذاني

206

شرح الأصول الخمسة

وقد أورد رحمه اللّه في الكتاب المثال الذي ذكره شيخنا أبو علي ، وهو أنه يعلم ضرورة أن أحدنا لا يشوه نفسه كأن يعلق العظام في رقبته ويركب القصب ويعدو في الأسواق ، لا ذلك إلا لعلمه بقبحه وبغناه عنه . إلا أن للخصم أن يشغب فيه فيقول : إنه إنما لم يفعل ذلك لأنه يستضر به غاية الاستضرار ، حتى لولاه لجاز أن يختاره . فالأولى في المثال ما ذكره شيخنا أبو هاشم : وهو أن أحدنا إذا كان عالما بقبح الكذب وحسن الصدق ، وقيل له إن كذبت أعطيناك درهما وإن صدقت أعطيناك درهما ، فإنه لا يختار الكذب على الصدق ، لا ذلك إلا لعلمه بقبحه وغناه عنه . فإن قيل : إن هذا ينبني على أن الصدق والكذب يتساويان ، فكيف يصح ذلك وأحدهما يستحق عليه المدح والثواب والآخر يستحق عليه الذم والعقاب ؟ . قيل له : أما ما ذكرتموه في الصدق فلا يصح ، لأنه يجوز أن يكون في الصدق ما لا يستحق عليه المدح والثواب ، ولهذا فإن أحدنا لو جلس طول نهاره يقول السماء فوقي والأرض تحتي فإنه لا يستحق المدح والثواب إن لم يستحق الذم والعقاب . وعلى أنه يجوز أن يكون في الصدق ما يستحق عليه الذم واللعنة ، كأن يتضمن الدلالة على نبي وقد توارى عن عدوه . وأما ما ذكرته من الكذب ، فهو وإن كان كذلك ، إلا أنه لا يجوز أن يكون المرء ممن لا يبالي بالمدح ولا يحفل بالذم . هذا في الذم ، وأما العقاب فإن من الجائز أن يكون المرء ملحدا زنديقا ، لا يقر باللّه تعالى ولا باليوم الآخر ، ولا يعتقد العقاب والثواب ، ومع ذلك فلو علم قبح القبح واستغنى عنه لم يختره أصلا . وقد أجاب عن ذلك شيخنا أبو عبد اللّه البصري جوابا أدق من هذا فقال : إن أحدنا لو خير بين الصدق والكذب وقيل له : إن صدقت أعطيناك درهما وإن كذبت أعطيناك درهما ودرهما آخر في مقابلة ما يستحقه من الذم على الكذب ، فإنه لا يختار ذلك أيضا لا ذلك إلا لعلمه بقبحه وبغناه عنه . فإن قيل : كيف يمكنكم قياس الغائب على الشاهد ، ومعلوم أن أحدنا كما لا يختار القبيح إلا لجهله بقبحه وحاجته إلى ذلك ، كذلك لا يختار الحسن إلا لجر منفعة أو دفع مضرة ، فقولوا مثله في الغائب . ولئن فرقتم بين الموضعين في تلك المسألة ، فافرقوا بينهما في هذه المسألة .